الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

233

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمعاء تزود البدن بمادتها الحياتية ، بينما يدفع الزائد منها إلى الخارج . . فما يهضم من غذاء داخل المعدة يسمى " فرثا " وما يدفع إلى الخارج يسمى ( روثا ) . ونعلم بأن جدار المعدة لا يمتص إلا مقدارا قليلا من الغذاء ( كبعض المواد السكرية ) والقسم الأكبر منه ينتقل إلى الأمعاء كي يمتص الدم ما يحتاجه منه . وكما نعلم أيضا بأن اللبن يترشح من غدد خاصة داخل ثدي الإناث ، ومادته الأصلية تؤخذ من الدم والغدد الدهنية . فهذه المادة الناصعة البياض ذات القوة الغذائية العالية تنتج من الأغذية المهضومة المخلوطة بالفضلات ، ومن الدم . والعجب يكمن في استخلاص هذا النتاج الخالص الرائع من عين ملوثة ! وبعد حديثه عن الأنعام وألبانها يتناول القرآن ذكر النعم النباتية ، فيقول : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون . " السكر " لغة ، له معاني مختلفة ، إلا أنه هنا بمعنى : المسكرات والمشروبات الكحولية ( وهو المعنى المشهور من تلك المعاني ) . ومما لا يقبل الشك أن القرآن لا يجيز في هذه الآية صنع المسكرات من التمر والعنب أبدا ، وإنما جاء ذكر المسكرات هنا لمقابلته ب‍ رزقا حسنا وكإشارة صغير لتحريم الخمر ونبذه . وعلى هذا . . فلا حاجة للقول بأن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر أو أنها تشير إلى تحليله ، بل حقيقة التعبير القرآني يشير إلى التحريم ، ولعل الآية كانت تمثل الإنذار الأول للتحريم . وقد تبدو العبارة وكأنها جملة اعتراضية بين قوسين داخل الآية القرآنية . * * *